فصل: تفسير الآيات (161- 163):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التسهيل لعلوم التنزيل



.تفسير الآيات (151- 152):

{سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152)}
{الرعب} قيل: ألقى الله الرعب في قلوب المشركين بأحد، فرجعوا إلى مكة من غير سبب، وقيل: لما كانوا ببعض الطريق هموا بالرجوع ليستأصلوا المسلمين، فألقى الله الرعب في قلوبهم، فأمسكوا، والآية تتناول جميع الكفار لقوله صلى الله عليه وسلم: نصرت بالرعب {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ} كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وعد المسلمين عن الله بالنصر، فنصرهم الله أولاً، وانهزم المشركون وقتل منهم اثنان وعشرون رجلاً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد أمر الرماة أن يثبتوا في مكانهم؛ ولا يبرحوا فلما رأوا المشركين قد انهزموا طمعوا في الغنيمة واتبعوهم، وخالفوا ما أمروا به من الثبوت في مكانهم، فانقلبت الهزيمة على المسلمين {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ} أي: تقتلونهم قتلاً ذريعاً يعنى في أول الأمر {وتنازعتم} وقع النزاع بين الرماة فثبت بعضهم كما أمروا ولم يثبت بعضهم {وَعَصَيْتُمْ} أي خالفتم ما أمرتم به من الثبوت، وجاءت المخاطبة في هذا لجميع المؤمنين وإن كان المخالف بعضهم وعظاً للجميع، وستراً على من فعل ذلك وجواب إذ محذوف تقديره: لانهزمتم {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا} الذين حرصوا على الغنيمة معه {لِيَبْتَلِيَكُمْ} معناه لينزل بكم ما نزل من القتل والتمحيص {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ} إعلام بأن الذنب كان يستحق أكثر مما نزل بهم، لولا عفو الله عنهم، فمعناه؛ لقد أبقى عليكم، وقيل: هو عفو عن الذنب.

.تفسير الآية رقم (153):

{إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (153)}
{إِذْ تُصْعِدُونَ} العامل في إذ عفا، فيوصل إذ تصعدون مع ما قبله ويحتمل أن يكون العامل فيه مضمر {وَلاَ تَلْوُونَ} مبالغة في صفة الانهزام {والرسول يَدْعُوكُمْ} كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اليَّ عباد الله، وهم يفرون {في أُخْرَاكُمْ} من خلفكم وفيه مدح للنبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنّ الأخرى هي موقف الأبطال {فأثابكم} أي جازاكم {غَمّاًً بِغَمٍّ} قيل: أثابكم غماً متصلاً بغم، وأحد الغمين: ما أصابهم من القتل والجراح والآخر: ما أُرجف به من قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم {على مَا فَاتَكُمْ} من النصر والغنيمة {وَلاَ مَآ أصابكم} من القتل والجراح والانهزام.

.تفسير الآيات (154- 155):

{ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (154) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155)}
{أَمَنَةً نُّعَاساً} قال ابن مسعود: نعسنا يوم أحد، والنعاس في الحرب أمان من الله {يغشى طَآئِفَةً مِّنْكُمْ} هم المؤمنون المخلصون، غشيهم النعاس تأميناً لهم {وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} هم المنافقون كانوا خائفين من أن يرجع إليهم أبو سفيان، والمشركون {غَيْرَ الحق} معناه يظنون أن الإسلام ليس بحق، وأن الله لا ينصرهم، و{ظَنَّ الجاهلية} بدل وهو على حذف الموصوف تقديره ظن المودة الجاهلية، أو الفرقة الجاهلية {هَل لَّنَا مِنَ الأمر مِن شَيْءٍ} قالها عبد الله بن أبيّ بن سلول، والمعنى: ليس لنا رأي، ولا يسمع قولنا أو: لسنا على شيء من الأمر الحق، فيكون قولهم على هذا كفراً {يُخْفُونَ في أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ} يحتمل أن يريد الأقوال التي قالوها أو الكفر {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمر شَيْءٌ} قاله معتب بن قشير، ويحتمل من المعنى ما احتمل قول عبد الله بن أبي {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ} الآية: رد عليهم، وإعلامٌ بأن أجل كل إنسان إنما هو واحد، وأن من لم يقتل يموت بأجله، ولا يؤخر، وأن من كتب عليه القتل لا ينجيه منه شيء {وَلِيَبْتَلِيَ} يتعلق بفعل تقديره فعل بكم ذلك ليبتلي {إِنَّ الذين تَوَلَّوْاْ} الآية: نزلت فيمن فر يوم أحد {استزلهم} أي طلب منهم أن يزلوا، ويحتمل أن يكون معناه: أزلهم؛ أي أوقعهم في الزلل {بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ} أي كانت لهم ذنوب عاقبهم الله عليها؛ بأن مكن الشيطان من استزلالهم {عَفَا الله عَنْهُمْ} أي غفر لهم ما وقعوا فيه من الفرار.

.تفسير الآيات (156- 158):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158)}
{لاَ تَكُونُواْ كالذين كَفَرُواْ} أي المنافقين {لإِخْوَانِهِمْ} هي أخوة القرابة، لأن المنافقين كانوا من الأوس والخزرج، وكان أكثر المقتولين يوم أحد منهم، ولم يقتل من المهاجرين إلاّ أربعة {إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأرض} أي سافروا وإنما قال: إذا التي للاستقبال مع قالوا، لأنه على حكاية الحال الماضية {أَوْ كَانُواْ غُزًّى} جمع غاز وزنه فُعَّل بضم الفاء وتشديد العين {لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا} اعتقاد منهم فاسد؛ لأنهم ظنوا أن أخوانهم لو كانوا عندهم لم يموتوا ولم يقتلوا، وهذا قول من لا يؤمن بالقدر والأجل المحتوم، ويقرب منه مذهب المعتزلة في القول بالأجلين {لِيَجْعَلَ} متعلق بقالوا. أي قالوا ذلك فكان حسرة في قلوبهم، فاللام لام الصيرورة لبيان العاقبة {ذلك} إشارة إلى قولهم واعتقادهم الفاسد الذي أوجب لهم الحسرة، لأن الذي يتيقن بالقدر والأجل تذهب عنه الحسرة {والله يُحْيِي وَيُمِيتُ} رد على قولهم واعتقادهم {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ} الآية إخبار أن مغفرة الله ورحمته لهم إذا قتلوا وماتوا في سبيل الله خير لهم مما يجمعون من الدنيا {وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ} الآية إخبار أن من مات أو قتل فإنه يحشر إلى الله.

.تفسير الآيات (159- 160):

{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160)}
{فَبِمَا رَحْمَةٍ} ما زائدة للتأكيد {لاَنْفَضُّواْ} أي تفرقوا {فاعف عَنْهُمْ} فيما يختص بك {واستغفر لَهُمْ} فيما يختص بحق الله {وَشَاوِرْهُمْ} المشاورة مأمور بها شرعاً، وإنما يشاور النبي صلى الله عليه وسلم الناس في الرأي في الحروب وغيرها، لا في الأحكام الشرعية، وقال ابن عباس: وشاورهم في بعض الأمر {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله} التوكل هو الاعتماد على الله في تحصيل المنافع أو حفظها بعد حصولها، وفي دفع المضرات ورفعها بعد وقوعها، وهو من أعلى المقامات، لوجهين: أحدهما قوله: {إِنَّ الله يُحِبُّ المتوكلين} والآخر: الضمان الذي في قوله: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3] وقد يكون واجباً لقوله تعالى: {وَعَلَى الله فتوكلوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [المائدة: 23] فجعله شرطاً في الإيمان، والظاهر قوله جل جلاله، {وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون} [آل عمران: 122] فإن الأمر محمول على الوجوب.
واعلم أن الناس في التوكل على ثلاث مراتب: الأولى: أن يعتمد العبد على ربه، كاعتماد الإنسان على وكيله المأمون عنده الذي لا يشك في نصيحته له، وقيامه بمصالحه. والثانية: أن يكون العبد مع ربه كالطفل مع أمه، فإنه لا يعرف سواها، ولا يلجأ إلاّ إليها،. والثالثة: أن يكون العبد مع ربه: كالميت بين يدي الغاسل، قد أسلم نفسه إليه بالكلية. فصاحب الدرجة الأولى له حظ من النظر لنفسه، بخلاف صاحب الثانية، وصاحب الثانية له حظ من المراد والاختيار بخلاف صاحب الثالثة. وهذه الدرجات مبنيّة على التوحيد الخاص الذي تكلمنا عليه في قوله: {وإلهكم إله وَاحِدٌ} [البقرة: 163] فهي تقوى بقوته، وتضعف بضعفه، فإن قيل: هل يشترط في التوكل ترك الأسباب أم لا؟ فالجواب: أن الأسباب على ثلاثة أقسام: أحدهما: سبب معلوم قطعاً قد أجراه الله تعالى: فهذا لا يجوز تركه: كالكل لدفع الجوع، واللباس لدفع البرد. والثاني: سبب مظنون: كالتجارة وطلب المعاش، وشبه ذلك، فهذا لا يقدم فعله في التوكل لأن التوكل من أعمال القلب، لا من أعمال البدن، ويجوز تركه لمن قوي عليه، والثالث: سبب موهوم بعيد، فهذا يقدم فعله في التوكل، ثم إن فوق التوكل التفويض وهو الاستسلام لأمر الله تعالى بالكلية، فإن المتوكل له مراد واختيار، وهو يطلب مراده باعتماده على ربه، وأما المفوض فليس له مراد ولا اختيار، بل أسند المراد والاختيار إلى الله تعالى، فهو أكمل أدباً مع الله تعالى.

.تفسير الآيات (161- 163):

{وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (161) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (162) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (163)}
{وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} هو من الغلول وهو أخذ الشيء خفية من المغانم وغيرها. وقرئ بفتح الياء وضم الغين، ومعناه تبرئة النبي صلى الله عليه وسلم من الغلول، وسببها أنه فقدت من المغانم قطيفة حمراء، فقال بعض المنافقين: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها، وقرأ نافع وغيره بضم الياء وفتح الغين، أي ليس لأحد أن يغل نبياً: أي يخونه في المغانم، وخص النبي بالذكر وإن كان ذلك محظوراً من الأمر، لشنعة الحال مع النبي؛ لأن المعاصي تعظم بحضرته، وقيل: معنى هذه القراءة: أن يوجد غالاً كما تقول أحمدت الرجل، إذا أصبته محموداً، فعلى هذا القول يرجع معنى هذه القراءة، إلى معنى فتح الياء {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ} وعيد لمن غل بأن يسوق يوم القيامة على رقتبه الشيء الذي غل، وقد جاء ذلك مفسراً في الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير لا ألفين أحدكم على ربقبته فرس لا ألفين أحدكم على رقبته رقاع لا ألفين أحدكم على رقبته صامت، لا ألفين أحدكم على رقبته إنسان فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك من الله شيئاً قد بلغتك {أَفَمَنِ اتبع} الآية: فقيل: إن الذي اتبع رضوان الله. من لم يغلل، والذي باء بالسخط من غل، وقيل الذي اتبع الرضوان: من استشهد بأحد، والذي باء بالسخط: المنافقون الذين رجعوا عن الغزو {هُمْ درجات} ذووا درجات، والمعنى تفاوت بين منازل أهل الرضوان وأهل السخط، أو التفاوت بين درجات أهل الرضوان فإن بعضهم فوق بعض، فكذلك درجات أهل السخط.

.تفسير الآية رقم (164):

{لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (164)}
{لَقَدْ مَنَّ الله} الآية إخبار تفضل الله على المؤمنين ببعث رسول الله صلى الله عليه وسلم {مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} معناه في الجنس واللسان، فكونه من جنسهم يوجب الأنس به، وقلة الاستيحاش منه، وكونه بلسانهم يوجب حسن الفهم عنه، ولكونه منهم يقرفون حسبه وصدقه وأمانته صلى الله عليه وسلم ويكون، هو صلى الله عليه وسلم أشفق عليهم وأرحم بهم من الأجنبيين.

.تفسير الآية رقم (165):

{أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165)}
{أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ} الآية. عتاب للمسلمين على كلامهم فيمن أصيب منهم يوم أحد، ودخلت ألف التوبيخ على واو العطف، والجملة معطوفة على ما تقدم من قصة أحد وعلى محذوف {قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا} قتل يوم أحد من المسلمين سبعون، وكان قد قتل من المشركين يوم بدر سبعون، وأسر سبعون {هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} قيل: معناه أنهم عوقبوا بالهزيمة؛ لمخالفتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد أن يقيم بالمدينة ولا يخرج إلى المشركين. فأبوا إلاّ الخروج، وقيل: بل ذلك إشارة إلى عصيان الرماة حسبما تقدم.

.تفسير الآيات (166- 167):

{وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167)}
{يَوْمَ التقى الجمعان} أي جمع المسلمين والمشركين يوم أحد {وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ} الآية: كان رأي عبد الله بن أبي بن سلول أن لا يخرج المسلمون إلى المشركين، فلما طلب الخروج قوم من المسلمين، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم: غضب عبد الله، وقال: أطاعهم وعصانا، فرجع ورجع معه ثلاثمائة رجل وخمسون فمشى في أثرهم عبد الله بن عمر بن حرام الأنصاري، وقال لهم: ارجعوا قاتلوا في سبيل الله، أو ادفعوا، فقال له عبد الله بن أبي: ما أرى أن يكون لو علمنا أنه يكون قتال لكنا معكم {أَوِ ادفعوا} أي كثروا السواد، وإن لم تقاتلوا.

.تفسير الآيات (168- 171):

{الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (168) وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171)}
{الذين قَالُواْ} بدل من الذين نافقوا، أو لإخوانهم في النسب، لأنهم كانوا من الأوس والخزرج {قُلْ فَادْرَءُوا} أي ادفعوا المعنى ردّ عليهم {بَلْ أَحْيَاءٌ} إعلام بأن حال الأحياء من التمتع بأرزاق الجنة؛ بخلاف سائر الأموات من المؤمنين، فإنهم يتمتعون بالأرزاق حتى يدخلوا الجنة يوم القيامة {وَيَسْتَبْشِرُونَ بالذين لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم} المعنى: أنهم يفرحون بإخوانهم الذين بقوا في الدنيا من بعدهم؛ لأنهم يرجون أن يستشهدوا مثلهم؛ فينالوا مثل ما نالوا من الشهادة {أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} في موضع المفعول أو بدل من الذين {يَسْتَبْشِرُونَ} كرر ليذكر ما تعلق به من النعمة والفضل.

.تفسير الآيات (172- 173):

{الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)}
{الذين استجابوا} صفة للمؤمنين أو مبتدأ وخبره {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ} الآية، ونزلت في الذين خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في خلف المشركين بعد غزوة أحد، فبلغ بهم إلى حمراء الأسد وهي على ثمانية أميال من المدينة، وأقام بها ثلاثة أيام، وكانوا قد أصابتهم جراحات وشدائد، فتجلدوا وخرجوا فمدحهم الله بذلك {الذين قَالَ لَهُمُ الناس} الآية: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حمراء الأسد بعد أحد: بلغ ذلك أبا سفيان فمر عليه ركب من عبد القيس يريدون المدينة بالميرة؛ فجعل لهم حمل بعير من زبيب على أن يثبطوا المسلمين عن إتباع المشركين، فخوفوهم بهم، فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل فخرجوا، فالناس الأول ركْب عبد القيس، والناس الثاني مشركو قريش وقيل: نادى أبو سفيان يوم أحد: موعدنا ببدر في القابل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن شاء الله فلما كان العام القابل؛ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر للميعاد، فأرسل أبو سفيان نُعيم بن مسعود الأشجعي ليثبط المسلمين، فعلى هذا الناس الأول نعيم، وإنما قيل له: الناس وهو واحد: لأنه من جنس الناس: كقولك ركبت الخيل إذا ركبت فرساً {فَزَادَهُمْ} الفاعل ضمير المفعول، وهو إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، والصحيح أن الإيمان يزيد وينقص، فمعناه هنا قوة يقينهم وثقتهم بالله {حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوكيل} كلمة يدفع بها ما يخاف ويكره؛ وهي التي قالها إبراهيم عليه اسلام حين ألقي في النار، ومعنى {حَسْبُنَا الله}: كافينا وحده فلا نخاف غيره، ومعنى: {وَنِعْمَ الوكيل}: ثناء على الله وأنه خير من يتوكل العبد عليه ويلجأ إليه.